ما هو النموذج الاجتماعي للإعاقة؟

حين نسمع كلمة “إعاقة”، تتبادر إلى الذهن صورة محدّدة: شخصٌ يعاني من نقصٍ في جسده أو عقله، يحتاج إلى علاجٍ أو رعاية، تستدعي حالتُه الشفقة والإحسان. هذه الصورة تبدو بديهيةً وطبيعية، حتى يُخيَّل إلينا أنها “الحقيقة” عن الإعاقة، لا رأياً فيها.

غير أن ما نظنّه بديهياً ليس كذلك. ما تصفه الكلمة، وما يستدعيه ذهنُنا حين نسمعها، نتاجُ رؤيةٍ تاريخية محدّدة، تشكّلت في القرن التاسع عشر مع صعود الطب الحديث والمصنع الرأسمالي، وفرضت على البشر تعريفاً واحداً لما يعنيه أن يكون الجسدُ والعقلُ “سليمَين”. تُسمّى هذه الرؤية في الأدبيات الحقوقية والعلمية النموذج الطبي للإعاقة (Medical Model of Disability)، وقد ظلّت تهيمن على المؤسسات والقوانين والمناهج الطبية والتعليمية لأكثر من قرن، حتى جاءت لحظة، في سبعينيات القرن الماضي، قلبت الموازين.

في تلك اللحظة، طرحت مجموعةٌ من الأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية في بريطانيا أطروحةً بسيطة في صياغتها، راديكاليّةً في أثرها: الإعاقة ليست في الجسد، بل في البيئة التي لم تُصمَّم لتشمله.

من هذه الأطروحة وُلد ما يُعرف اليوم بـالنموذج الاجتماعي للإعاقة (Social Model of Disability)، الذي أعاد تعريف الإعاقة بوصفها علاقةً بين الإنسان والمجتمع، لا صفةً قائمة في الإنسان وحده.

هذا النموذج صار لاحقاً الأساس الفلسفي لـاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، وللحركات الحقوقية المعاصرة، بما فيها حركة التنوع العصبي. وفهمُه ليس ترفاً نظرياً، بل المدخلُ الذي يحوّل المتنوّع عصبياً من شخصٍ يُطلب منه أن يتغيّر، إلى صاحب حقٍّ في بيئةٍ تتسع لتشمل وتفهم اختلافه.

السردية السائدة: كيف ورثنا النموذج الطبي للإعاقة دون أن نسمّيه؟

قبل أن نفهم النموذج الاجتماعي، علينا أن نسمّي ما يسبقه. النموذج الطبي للإعاقة إطارٌ فكري يرى الإعاقة خللاً قائماً في الفرد، يستوجب التشخيص والعلاج والإصلاح. في هذا الإطار، الشخص ذو الإعاقة “حالةٌ” تُدرَس وتُعالَج، لا فاعلٌ اجتماعيٌّ صاحب حقٍّ وحضور.

وتنبع الصعوبات التي يعيشها، بحسب هذه الرؤية، من جسده أو دماغه، لا من العالم من حوله.

تشكّل هذا النموذج تاريخياً مع صعود الطب الحديث في القرن التاسع عشر، وتقاطع مع منطق المصنع الرأسمالي الذي طلب من الجسد البشري إنتاجيّةً موحّدة (Barnes, 2020).

من ينحرف عن هذا المعيار يُصبح “غير منتج”، ومن يكون “غير منتج” يصبح “معاقاً” — أي مُكلِّفاً للمجتمع، يستوجب الرعاية لا المشاركة.

في السياق العربي، تَجَلّى هذا النموذج في لغةٍ مألوفة: خطاب الشفقة، وتصنيف الإعاقة بوصفها ابتلاءً يستوجب الصبر، وانتشار الجمعيات الخيرية التي تتعامل مع الشخص ذي الإعاقة بوصفه متلقّياً للإحسان لا صاحب حق. وقد جرى تبنّي مصطلح “ذوي الهمم” بنيّة تخفيف الوصمة، غير أن المصطلح يحتفظ بمنطق النموذج الطبي ذاته: الإعاقة تبقى صفةً في الفرد، نخفّف وقعها بلغةٍ مهذّبة بدل أن نُعيد تعريفها.

النقطةُ التي يستحقّ أن نقف عندها: النموذج الطبي ليس “حقيقة علمية” عن الإعاقة. هو مجرّد نموذجٍ تاريخيّ محدّد، نشأ في سياقٍ معيّن، ويجب نقدُه وتجاوزه.

لحظة تغيير السردية: كيف وُلد النموذج الاجتماعي للإعاقة؟

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، في إنجلترا، بدأ عددٌ من الأشخاص المقيمين في مؤسسات الإقامة الكبرى لذوي الإعاقة الجسدية بالتراسل فيما بينهم. كانوا يرفضون الواقع المفروض عليهم: العزل عن المجتمع، فقدان السيطرة على شؤون حياتهم اليومية، التعامل معهم بوصفهم موضوعَ رعاية لا أصحابَ رأي.

وفي عام 1974، تأسّس اتحادهم الرسمي تحت اسم اتحاد ذوي اختلافات السمة الوظيفية الجسدية ضد العزل (UPIAS — Union of the Physically Impaired Against Segregation).

في عام 1976، نشر الاتحاد وثيقةً تأسيسية بعنوان “المبادئ الأساسية للإعاقة” (Fundamental Principles of Disability)، تضمّنت الجملةَ التي ستُغيّر حقل الإعاقة لاحقاً:

“نرى أن المجتمع هو الذي يُعيق الأشخاص ذوي اختلافات السمة الوظيفية الجسدية. الإعاقة شيءٌ يُفرَض فوق اختلافات سماتنا الوظيفية الجسدية، عبر الطريقة التي نُعزَل بها ونُستبعَد بلا داعٍ من المشاركة الكاملة في المجتمع. الأشخاص ذوو الإعاقة بذلك جماعةٌ مضطهَدة في المجتمع.” (UPIAS, 1976: 14)

في عام 1983، صاغ عالم الاجتماع البريطاني مايك أوليفر (Mike Oliver)، وهو نفسه شخصٌ ذو إعاقة جسدية، المصطلحَ الذي عرَّف الحقل: النموذج الاجتماعي للإعاقة. ووسّعه لاحقاً في كتابه “فهم الإعاقة” (Oliver, 1996)، ليصبح الأساس النظري لما عُرف لاحقاً بحقل دراسات الإعاقة (Disability Studies) في الجامعات حول العالم.

وكما هو الحال في حركة التنوع العصبي، لم يولد النموذج الاجتماعي في الأوساط الأكاديمية ثم ينتقل إلى المجتمع، بل سلك الاتجاه المعاكس: نشأ من داخل تجربة أصحابها أنفسهم، ثم وجد طريقه إلى الأكاديميا والقانون.

وهذه النشأة الجماعية ليست تفصيلاً هامشياً، بل جزءٌ من جوهر النموذج: الذين يعيشون الإعاقة هم الأقدر على وصفها وتسميتها وإعادة تعريفها.

وهذا تحديداً ما يربط النموذج الاجتماعي بحركة التنوع العصبي ربطاً تكوينياً: الحركتان وُلدتا من أصحاب التجربة، ضدّ سرديةٍ بُنيت عنهم دون مشاركتهم.

قلب السردية: الفرق بين اختلاف السمة الوظيفية والإعاقة

الفرق بين النموذج الطبي والنموذج الاجتماعي للإعاقة لا يقف عند الفلسفة، بل يبدأ من تمييزٍ مفاهيمي دقيق بين مفهومَين كان النموذج الطبي يخلط بينهما باستمرار.

اختلاف السمة الوظيفية (Impairment) هو الفارق الفعلي في الجسد أو الدماغ في حدّ ذاته: عدم رؤية، عدم سمع، توصيلات عصبية تعمل بطريقة مختلفة، طريقة معالجة بصرية مغايرة للحروف. هذا الاختلاف قائمٌ في الإنسان، ولا يحتاج تفسيراً اجتماعياً.

الإعاقة (Disability) شيءٌ آخر تماماً: هي ما يفعله المجتمع بهذا الاختلاف. الحواجز التي يُنشئها، والاستبعاد الذي يمارسه، والافتراضات التي يبنيها، والبيئات التي يُصمّمها دون أن يأخذ الاختلاف بعين الاعتبار.

مثالٌ يوضّح الفرق: الشخص الذي يستخدم الكرسي المتحرّك يحمل اختلاف سمةٍ وظيفية جسدية حقيقية. ولكن ما يُعيقه يومياً ليس الكرسي المتحرّك أو اختلاف قدرته الوظيفية، بل غيابُ المنحدر، وعتبةُ الباب العالية، وزرّ المصعد الذي لا يصل إليه.

إزالة هذه الحواجز تُزيل أثرَ اختلاف السمة الوظيفية على مشاركته الكاملة في الحياة.

ينطبق هذا المنطق ذاته على التنوع العصبي. الاختلافات في التوصيلات العصبية في دماغ الشخص المتوحّد ليست “إعاقة” في حدّ ذاتها. ما يجعلها إعاقةً في حياة المتوحد هو الإضاءة الفلورية في المدرسة، والمكاتب المفتوحة في العمل، وافتراض التواصل البصري كشرطٍ للقبول الاجتماعي، ولغةُ التقارير الطبية التي تصف اختلافه بوصفه اضطراباً.

الدماغ ذو اختلافات الانتباه والنشاط (ADHD) ليس إعاقة. النظام التعليمي الذي يفترض جلوساً متواصلاً لساعتين دون حركة هو الذي يُسبّب الإعاقة.

هذا التمييز ليس لعبةً لغوية. هو نقلٌ كاملٌ لعبء التغيير: من إصلاح الفرد إلى إعادة تشكيل البيئة.

خريطة الحواجز المسببة للإعاقة: ما الذي يكشفه النموذج الاجتماعي للإعاقة؟

حين ندرس ما يُعيق الأشخاص ذوي الإعاقة فعلاً، نجد أن الحواجز ليست من نوعٍ واحد، ولا تظهر في موقعٍ واحد. تتوزّع على طبقاتٍ تتفاعل فيما بينها، تمسّ ذوي الإعاقات الحركية وذوي الإعاقات غير الحركية على حدٍّ سواء.

الحواجز المادية والحركية هي الأكثر وضوحاً في وعينا العام: السلالم في غياب المنحدرات، والأرصفة التي يتعذّر اجتياز كرسيٍّ متحرّك عليها، والمراحيض غير المصمّمة لاحتياجات الجميع، والمواصلات العامة التي لا يستطيع الراكب ذو الإعاقة الحركية استخدامها.

هذه الحواجز تمسّ ذوي الإعاقات الحركية، وذوي الإعاقات الحسّية الكبرى (كالإعاقة البصرية والسمعية)، وذوي الإعاقات غير الحركية وغير الحسّية، بطرقٍ تتقاطع وتتباين (Hamraie, 2017).

الحواجز الحسّية أقلّ وضوحاً، لكنها لا تقلّ أثراً، وتمسّ المتنوّعين عصبياً مباشرةً. الإضاءة الفلورية في المدارس والمستشفيات والمكاتب تُنشئ بيئةً مرهقة لكثيرٍ من المتوحدين وذوي فرط الحساسية الحسّية. الضوضاء الخلفية المتراكمة في المكاتب المفتوحة تستنزف الطاقة الذهنية يومياً.

الازدحام البصري في المراكز التجارية والمواصلات يُنتج فيضاناً حسّياً موثَّقاً في الأدبيات الحديثة (Wada et al., 2023). هذه الحواجز خفيّة، نادراً ما تُذكَر في النقاش العام، لكنها تُقصي المتنوّعين عصبياً يومياً من فضاءاتٍ يدخلها غيرهم بلا تفكير.

الحواجز المعرفية والإدراكية تتعلّق بطريقة تقديم المعلومة، ومن تخاطبه، وكيف تتوقّع منه أن يستقبلها ويتفاعل معها. النموذج المهيمن للتعليم في مدارسنا وجامعاتنا يفترض نمطاً واحداً للتعلّم: القارئ النمطي الذي يلتقط النص المكتوب بسرعة، والمستمع الذي يستوعب التعليمات الشفهية من المرّة الأولى، والتعبير عمّا فُهم بالكتابة اليدوية، واختبارات بأسئلةٍ مكتوبة محدّدة بزمن.

هذا النمط الواحد للتعلّم يُعيق الأشخاص ذوي اختلافات التعلّم كعسر القراءة (Dyslexia)، وعسر الحساب (Dyscalculia)، وغيرها، والأشخاص ذوي اختلافات الانتباه والنشاط (ADHD) الذين يعمل دماغهم بإيقاعٍ مختلف للتركيز، ومن يفهم المعلومة من خلال الصورة أو الصوت لا اللفظ.

الحاجز هنا ليس في قدرة هؤلاء على التعلّم، بل في المسار الواحد الذي يُسمح به للوصول إلى المعرفة وللتعبير عمّا فُهم منها. حين يُصنَّف طالبٌ بـ”بطيء التعلّم” لأنه لم يُحرز نتيجةً جيدة في امتحانٍ كتابيّ مُقيَّد بزمن، فإن ما يُقاس فعلاً ليس قدرتَه على التعلّم، بل قدرته على التعلّم بطريقةٍ واحدة.

ولو سُمح له بأن يُجيب شفهياً، أو بصرياً، أو في وقتٍ أطول، لظهرت قدراتٌ كانت مخفيّة خلف ضيق القناة المتاحة، لا بسبب نقصٍ في الفهم.

في حركة التنوع العصبي، يُسمَّى هذا الإطار البديل التصميم الشامل للتعلّم (Universal Design for Learning – UDL): مبدأ يقوم على توفير طرقٍ متعدّدة للوصول إلى المحتوى، وطرقٍ متعدّدة للتفاعل معه، وطرقٍ متعدّدة للتعبير عمّا فُهم منه، بدل افتراض أن طريقاً واحداً يناسب الجميع.

وهذا الإطار، في جوهره، تطبيقٌ مباشر للنموذج الاجتماعي: التعلّم ليس قدرةً قائمة في الفرد وحده، بل علاقةٌ بين قدرته وطريقة تصميم البيئة التعليمية حوله.

أما الحواجز اللغوية والمؤسسية فهي الطبقة الأعمق، والأقلّ مرئيّة، والأكثر تأثيراً في حياة المتنوّع عصبياً. وهي تستحقّ منّا وقفةً مستقلّة.

اللغة المؤسسية كبيئة معرفية

اللغة ليست أداةً محايدة لوصف العالم. هي بيئةٌ معرفية يعيش فيها الإنسان يومياً، تُشكّل ما يراه، وما يُسمح له أن يكون، وما يُحجَب عنه.

وقد رأى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) منذ ستينيات القرن الماضي أن التصنيفات الطبية والنفسية ليست أوصافاً علميّة محايدة، بل أدواتُ سلطةٍ تُنتج الأشخاصَ الذين تدّعي وصفَهم (Foucault, 1961؛ Ninnis, 2016).

حين تُسمّي مؤسسةٌ شخصاً بأنه “مضطرب” أو “ذو صعوبات تعلّم” أو “متأخّر نمو”، فهي لا تكتشف حقيقةً قائمة في جسده، بل تُنشئ مساراً اجتماعياً ومؤسسياً سيسلكه طوال حياته.

التسمية هنا لا تصف، بل تُحدّد: تُحدّد المدرسة التي يدخلها، والعلاج الذي يُفرض عليه، والمهنة التي يُسمح له بمزاولتها، وأحياناً حتى الأهلية القانونية لإدارة شؤون حياته الخاصة.

والدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، الذي يُقدَّم بوصفه مرجعاً علمياً حياديّاً، هو في حقيقته مؤسسةٌ تاريخيةٌ متفاوضٌ عليها، تتبدّل تصنيفاتها بتبدّل المعايير الاجتماعية والاقتصادية (Pickersgill, 2023).

فقد صنّف هذا الدليل لعقودٍ ما سُمّي حينها “هستيريا المرأة” (Female Hysteria) اضطراباً نفسياً قائماً بذاته، تُعالَج به النساء اللواتي يُبدين قلقاً أو حزناً أو غضباً بطرقٍ لا يستسيغها المحيط، قبل أن يُرفَع التصنيف كلّياً من الدليل عام 1980 (Tasca et al., 2012).

وما يُصنَّف اليوم اضطراباً قد لا يبقى كذلك غداً، ليس لأن العلم اكتشف شيئاً جديداً عن الدماغ البشري، بل لأن المجتمع أعاد التفاوض على ما يقبله وما يرفضه.

وهذا وحده يُذكّرنا بأن لغة التصنيف ليست انعكاساً موضوعياً للطبيعة، بل اتفاقاً مؤسسياً يحمل قيم زمنه وافتراضاته.

وتتكرّر هذه السلطة اللغوية بأشكالٍ متعدّدة عبر المؤسسات. في الميدان الطبي، حين يُوصَف الشخص بأنه “غير قادر على فهم خياراته”، تُسلَب منه استقلاليّتُه الطبية، وتُتَّخذ قراراتٌ حول جسده دون استشارته، بما فيها قراراتٌ مصيريّة كفرض تدخّلاتٍ دوائيةٍ وسلوكيةٍ مبكّرة.

وتمتدّ هذه السلطة اللغوية أبعد من العلاج نفسه، لتطال حقّ الشخص في الاعتراض على من يُعالجه.

حين يُحاول مريضٌ نفسيٌّ أو متنوّعٌ عصبياً تقديمَ شكوى أو تظلّمٍ ضدّ طبيبٍ أساء التشخيص، أو تجاوز في الممارسة، أو فرض دواءً دون موافقةٍ مستنيرة، تَستقبل المؤسساتُ شكواه بريبةٍ مسبقة، وبافتراضٍ مضمرٍ بأن الشكوى ذاتها “عَرَضٌ من المرض”، لا شهادةً تستحقّ التحقّق. التشخيص الذي وُضع لمساعدته يتحوّل إلى أداةٍ تُسقط مصداقيتَه قبل أن يُفتَح ملفُّه، فتُغلَق أمامه أبواب الجهات الرقابية والنقابية والقضائية باباً بعد باب.

هكذا يجد الشخص نفسه في حلقةٍ مغلقة: المؤسسة الطبية التي يُفترض أن تحميه هي ذاتُها التي تَملك سلطةَ نزع صوته حين يحاول مساءلتها.

في الميدان القانوني، يُستخدَم التشخيص أحياناً لنزع الأهلية القانونية، فيُحرَم الشخص من حقّ التوقيع على عقدٍ، أو من الزواج، أو من إدارة شؤونه المالية، أو حتى من رفض علاجٍ يُعرَض عليه. في بيئات العمل، تتجلّى السلطة اللغوية بصورتَين متلازمتَين.

الأولى في باب الدخول: قد يكفي تقريرٌ يصف الشخص بأنه “محدود الكفاءة الاجتماعية” ليُقصيه من ترقيةٍ يستحقّها بكفاءته المهنية، أو ليُغلق أمامه باب التوظيف من أصله، أو يَحصره في مساراتٍ ضيقة تفترض أنه عاجزٌ عن غيرها.

والثانية في غياب لغة الحقّ بعد الدخول: حين لا تَعترف ثقافة المؤسسة ولا قوانينها الداخلية بـالتيسيرات المعقولة (Reasonable Accommodations) بوصفها حقّاً مكفولاً — كتعديل الإضاءة، أو منح خيار العمل عن بُعد، أو تقديم التعليمات مكتوبةً بدل الشفهية، أو تخصيص فترات هدوءٍ في اليوم — يجد الموظّف المتنوّع عصبياً نفسه أمام خيارَين كلاهما مُكلِف: إمّا أن يُخفي اختلافه ويُنهك يومياً في التخفّي والتمويه العصبي (Masking) حتى يبدو “مناسباً”، وإمّا أن يُفصح عنه ويُجازف بأن يُعامَل كمشكلةٍ تستوجب الاحتمال، لا كموظّفٍ يُمارس حقّاً قانونياً.

في المدرسة، يكفي تصنيفٌ مبكّر بـ”صعوبات التعلّم” ليُحدّد مساراً تعليمياً كاملاً، يُقصي صاحبه من الفصول العادية، ومن التعليم الجامعي لاحقاً.

وفي الجامعة، يجعل غيابُ اللغة المؤسسية للتيسيرات المعقولة الطالبَ المتنوّع عصبياً يكافح بلا حقوقٍ معلَنة، فيعتمد على لطف الأستاذ بدل أن يستند إلى حقٍّ قانونيّ.

في كلّ هذه المواقع، اللغة لا تصف الواقع، بل تُقرّره. تُحدّد من يدخل ومن يُستبعَد، من يُسمَع ومن يُتجاهَل، من يَحكم في شؤون نفسه ومن تُسلَب منه استقلاليّتُه.

الفيلسوفة البريطانية ميراندا فريكر (Miranda Fricker, 2007) سمّت هذا الإقصاء “الظلم المعرفي” (Epistemic Injustice)، ورأت أنه يأخذ شكلَين متشابكَين. يحدث الظلم الشهادي (Testimonial Injustice) حين لا يُصدَّق الشخص لأنه ينتمي لفئةٍ موصومة، كما يحدث مع المتوحّد حين يصف تجربتَه فيُعتبَر غير قادرٍ على فهم نفسه.

ويحدث الظلم التفسيري (Hermeneutical Injustice) حين لا يملك الشخص اللغةَ ذاتها لتفسير تجربته، لأن الأدوات اللغوية السائدة بُنيت دون مشاركته. فالنساء قبل ظهور مصطلح “التحرّش” كنّ يَعِشن التحرّش لكن لم يستطعن تسميته، والمتوحدون قبل ظهور “التخفّي والتمويه العصبي” (Masking) عاشوه دون لغةٍ تصفه، فحملوا وزنه وحدهم. وقد جادلت كاتالا (Catala, 2025) بأن حركة التنوع العصبي ذاتها تعرّضت لمحاولات استلاب من خارج مجتمع المتوحدين، حين سعت جهاتٌ طبية ومؤسسية إلى تبنّي لغة الحركة مع تفريغها من محتواها الحقوقي.

في السياق العربي، تتضاعف هذه الإشكالية. فالمعجم العربي للتنوع العصبي مُترجَمٌ بأكمله تقريباً من معجمٍ طبيّ أنجلوسكسوني، يحمل افتراضاته الثقافية والتاريخية دون مساءلة.

لكنّ هذا الفقر المعجمي يفتح أمامنا فرصة: العربية لم تستقرّ بعدُ على معجمٍ وصمي صلب للتنوع العصبي، وهذه نافذةٌ تاريخية لبناء لغةٍ جديدة، تنبني على النموذج الاجتماعي والحقوقي منذ البداية، قبل أن تترسّخ الأولى ويُغلَق الباب.

النقد والتطوير: هل النموذج الاجتماعي صلبٌ بما يكفي؟

النموذج الاجتماعي، رغم أثره الراديكالي، تعرّض لنقدٍ جدّي من داخل حركة الإعاقة نفسها. توم شكسبير (Tom Shakespeare, 2006, 2013)، وهو شخصٌ ذو إعاقة جسدية، رأى أن الفصل الحاد بين اختلاف السمة الوظيفية والإعاقة يُلغي حقيقةَ الألم والقيود الفعلية. شخصٌ يعيش ألماً مزمناً لن يزول هذا الألم بإعادة تصميم البيئة وحدها، وإن كانت البيئة المُيسَّرة تُخفّف عبئه اليومي بشكلٍ ملموس.

كارول توماس (Carol Thomas, 1999, 2004) طوّرت النموذج الاجتماعي التفاعلي (Social Relational Model)، الذي يحفظ القلبَ التحريري للنموذج الأصلي ويُضيف إليه طبقتين.

الأولى تأثيرات اختلاف السمة الوظيفية (Impairment Effects): قيودٌ تأتي فعلاً من الاختلاف ذاته، لا من المجتمع. والثانية الإعاقة النفسية-العاطفية (Psycho-emotional Disablism): الضرر الذي يلحق بالنفس من النظرات، والتعليقات، والإقصاء الاجتماعي اليومي، وهو ضررٌ لا يُختزَل في الحواجز المادية (Reeve, 2004).

المتنوّعون عصبياً يعرفون هذا تماماً. ليست كلّ صعوبةٍ يعيشونها من البيئة وحدها. الإنهاك التوحدي حقيقي، واختلافات الوظائف التنفيذية (Executive Functions) عند ذوي ADHD حقيقية، والفيضان الحسّي (Sensory Overload) حقيقي.

لكنّ هذا لا ينقض النموذج، بل يُغنيه. النسخة الناضجة من النموذج الاجتماعي تعترف باختلاف السمة الوظيفية وأثره، وتُصرّ في الوقت نفسه على أن ما يُعيق الإنسان فعلاً هو ما يفعله المجتمع به.

النموذج في الميدان: من الرعاية إلى الحقوق

أثر النموذج الاجتماعي لم يبقَ نظرياً. في عام 2006، أقرّت الأمم المتحدة اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، التي تُعدّ التجسيد القانوني الدولي للنموذج الاجتماعي والحقوقي للإعاقة (Dhanda, 2008).

أحدثت الاتفاقية تحوّلاً جوهرياً في فلسفة التعامل مع الإعاقة: من خطاب “الرعاية” إلى خطاب “الحقوق”، ومن منطق “الشفقة” إلى منطق “المشاركة الكاملة”.

ترتكز الاتفاقية على مبادئ تخدم مباشرةً المتنوّعين عصبياً: الكرامة الإنسانية الأصيلة، واستقلاليةُ الفرد بما فيها حرية اتخاذ القرارات، وعدمُ التمييز، والمشاركةُ الكاملة، واحترامُ الاختلاف بوصفه جزءاً من التنوع البشري، وإمكانيةُ الوصول (Accessibility).

كما تُلزم الاتفاقية الدولَ الموقّعة بتوفير التيسيرات المعقولة (Reasonable Accommodations): تعديلاتٌ ضرورية ومناسبة في البيئة تُمكِّن الشخص ذا الإعاقة من ممارسة حقوقه على قدم المساواة مع الآخرين.


كثيرٌ من الدول العربية صادقت على CRPD، وقطعت أشواطاً في تشريعاتها لذوي الإعاقة (Alsalem, 2021).

لكنّ التحدّي العربي اليوم ليس في غياب التشريع، بل في الفجوة بين التشريع والتطبيق، وفي بقاء النموذج الطبي مهيمناً على المؤسسات والممارسة اليومية رغم تبنّي اللغة الحقوقية رسمياً.

تغيير الإطار لا يكتمل بتوقيع اتفاقية، بل بتفكيك الخطاب المؤسسي اليومي الذي ما زال يُنتج الإعاقةَ في عيادات الأطباء، وفصول المدارس، وغرف اجتماعات المؤسسات.

ما هو النموذج الاجتماعي للإعاقة؟

النموذج الاجتماعي للإعاقة إطارٌ فكري وحقوقي يرى أن الإعاقة ليست في جسد الإنسان أو دماغه، بل في البيئة التي لم تُصمَّم لتشمله، وفي الحواجز الاجتماعية والمؤسسية واللغوية التي تُقصيه من المشاركة الكاملة. صاغ هذا المصطلح عالم الاجتماع البريطاني مايك أوليفر عام 1983، وأصبح الأساس الفلسفي لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD).

ما الفرق بين النموذج الطبي والنموذج الاجتماعي للإعاقة؟

النموذج الطبي يرى الإعاقة خللاً قائماً في الفرد يستوجب التشخيص والعلاج والإصلاح. أما النموذج الاجتماعي فيرى أن الاختلاف الجسدي أو العصبي قائمٌ في الإنسان، لكنّ ما يُعيقه هو ما يفعله المجتمع بهذا الاختلاف: الحواجز المادية، والبيئات غير المُصمَّمة لتشمله، واللغة المؤسسية التي تُقصيه. الفرق الجوهري: النموذج الطبي يطلب من الفرد أن يتغيّر، والنموذج الاجتماعي يطلب من البيئة أن تتغيّر.

هل التوحد إعاقة؟

الاختلافات في التوصيلات العصبية في دماغ الشخص المتوحد ليست إعاقةً في حدّ ذاتها، بحسب النموذج الاجتماعي للإعاقة. ما يجعلها إعاقةً في حياة المتوحد هو البيئة المحيطة: الإضاءة الفلورية، والمكاتب المفتوحة، وافتراض التواصل البصري، ولغة التقارير الطبية التي تصف الاختلاف بوصفه اضطراباً. الإعاقة تنشأ من تفاعل الاختلاف مع بيئة لم تُصمَّم لتشمله.

هل ADHD إعاقة؟

الدماغ ذو اختلافات الانتباه والنشاط (ADHD) يعمل بإيقاع مختلف للتركيز، وليس عاجزاً. ما يجعله إعاقةً هو النظام التعليمي الذي يفترض جلوساً متواصلاً لساعتين دون حركة، أو بيئات العمل التي لا توفّر مرونة في المهام والوقت. وفقاً للنموذج الاجتماعي، ADHD يصبح إعاقة حين تلتقي اختلافاته ببيئة جامدة لا تتسع لها.

من أسّس النموذج الاجتماعي للإعاقة؟

أسّس النموذج الاجتماعي للإعاقة جماعياً ناشطون من ذوي الإعاقة الجسدية في بريطانيا، عبر اتحاد UPIAS (Union of the Physically Impaired Against Segregation) الذي تأسّس عام 1974. نشر الاتحاد وثيقة “المبادئ الأساسية للإعاقة” عام 1976. ثم صاغ عالم الاجتماع البريطاني مايك أوليفر، وهو نفسه شخصٌ ذو إعاقة جسدية، المصطلح الأكاديمي عام 1983.

ما هي اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)؟

اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) معاهدة دولية أُقرّت عام 2006، وتُعدّ التجسيد القانوني الدولي للنموذج الاجتماعي والحقوقي للإعاقة. أحدثت تحوّلاً جوهرياً في فلسفة التعامل مع الإعاقة: من خطاب الرعاية إلى خطاب الحقوق، ومن منطق الشفقة إلى منطق المشاركة الكاملة. صادقت عليها أغلب الدول العربية.

مشاركة على المنصة

إذا كنت ترغب بمشاركة مقال على المنصة، يرجى التواصل عبر البريد الإلكتروني:

If you would like to share an article to the platform, please contact us by email:

اشترك في النشرة البريدية

تصلك تحديثات وأدوات بسيطة تدعم بيئات عمل تراعي التنوع العصبي. بدون إزعاج.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *