The double empathy problem
هل المتوحدون فعلاً لا يجيدون التواصل، أم أن النمطيين عصبياً يعجزون أيضاً عن فهم الأنماط العصبية المختلفة عنهم؟
جدول المحتوى
مدخل
حين نتحدث عن التنوع العصبي، نتحدث عن طيف واسع من الاختلافات في كيفية عمل الدماغ البشري: التوحد، واختلافات النشاط والانتباه، واختلافات التعلم كعسرِ القراءة وعسر الحساب، وغيرها. هذه الأنماط لا تتشابه في تفاصيلها، لكنها تتشارك تجربة واحدة جوهرية: يشترك أصحابها جميعاً بافتراض واحد سائد عنهم في مجتمعاتهم هو أن ثمّة نمطاً واحداً “طبيعياً” في أسلوب التواصل وطريقة الشعور والتعبير عن الذات، وأن كلّ ما عداه ناقص أو يحتاج إلى تعديل.
من هذا الافتراض الواحد تنبع سلسلة طويلة من النتائج التي يختبرها المتنوعون عصبياً: التصنيف، الوصم، ضغط الشعور بالحاجة لتعديل السلوك، التخفّي والتمويه العصبي، وفي النهاية الإنهاك والمعاناة النفسية. ولكي نفهم كيف تبدأ هذه السلسلة من الأساس، نحتاج إلى المفهوم الذي كشف الخلل في الافتراض الأول، ونزع عنه قناع “الحياد العلمي”: مشكلة التعاطف المزدوج.
ما هي مشكلة التعاطف المزدوج؟
تم طرح المفهوم على يد عالم الاجتماع البريطاني داميان ميلتون عام 2012، وهو نفسه شخص متوحد يكتب من داخل التجربة لا عنها، ويُعَد من أبرز الأصوات في حقل دراسات التوحد النقدية. صاغ المفهوم في ورقة منشورة في مجلة Disability and Society، وعرّفه بأنه:
انقطاع في التبادل بين فاعلين اجتماعيين مختلفين في تكوينهما، يزداد حدة كلّما اتسعت الفجوة بين تصوّراتهما للعالم –يدركه النمطيون عصبياً باعتباره خرقاً للموقف الطبيعي تجاه ما يعدّ “واقعاً اجتماعياً”، بينما يعيشه المتوحدون كتجربة يومية، صادمة في أحيان كثيرة.
التعريف يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، غير أنه في الحقيقة يقلب الفهم السائد رأساً على عقب. ما يقوله لنا ميلتون في هذا الطرح هو أنه حين ينقطع التواصل بين شخص متوحد وشخص نمطي عصبياً، فإن هذا الانقطاع لا يحدث بسبب عجز إدراكي يقع داخل عقل أحدهما، بل ينشأ من وجود فجوة بين المنظورين اللذين يختبر كل منهما العالم من خلالهما. كلاهما يعجز –بالقدر نفسه– عن قراءة الآخر تلقائياً. والفرق الوحيد بينهما هو أن أحدهما اعتاد أن يعامله المجتمع بوصفه “الطبيعي”، والآخر اعتاد أن يعامله المجتمع بوصفه شخصاً لديه خلل في السلوك يجب تصحيحه وتعديله.
ورغم أن هذا المفهوم نشأ في أبحاث التوحد تحديداً، إلا أن مبدأه الأساسي يمتد ليشمل كل نقطة لقاء بين نمطين عصبيين مختلفين: بين شخص يتميز باختلاف في النشاط والانتباه وزميله النمطي عصبياً في العمل، أو بين طفل لديه اختلافات في التعلّم ومعلّم يتعامل مع المناهج الدراسية وكأنّ لها طريقة وحيدة للاستيعاب.
النشأة: من أين جاءت هذه التسمية؟
لم يُخرِج ميلتون هذا المفهوم من فراغ نظري، ففي كتاباته عن تجاربه المُعاشة، يصف كيف تشكلت الفكرة في داخله انطلاقاً من خبرته المُعاشة كشخص متوحد قضى سنوات يُصنّف “غير اجتماعي” و”بلا تعاطف”، رغم أن إحساسه من داخل ذاته كان أنه يقرأ الآخرين أحياناً بدقّة تفوق قدرتهم على قراءته. هذه المفارقة بين ما كان يقوله علم النفس الإكلينيكي والنموذج الطبّي عنه، وما كان يعيشه فعلاً في يومه، هي البذرة الأولى التي نمت منها فكرة التعاطف المزدوج.
ولم يكن ميلتون وحيداً في هذه الرحلة. فقد كان جزءاً من جيل من الناشطين والباحثين المتنوعين عصبياً الذين بدأوا منذ تسعينيّات القرن الماضي يطعنون في أُطُر العجز السائدة، ويطرحون أن ما يُسمى “اضطراباً” قد يكون اختلافاً مشروعاً في طريقة عمل الدماغ، له منطقه الداخلي المتماسك. مفهوم التعاطف المزدوج جاء بوصفه امتداداً لهذه الحركة الفكرية الجماعية، التي صنعها المتنوعون عصبياً لأنفسهم وعن أنفسهم، وليس اكتشافاً فردياً معزولاً.
أما أكاديمياً، فقد استند ميلتون إلى تقاليد سوسيولوجية وفلسفية كانت قد رفضت قبله فكرة أن “الفهم الكامل للآخر” ممكن من الأساس، حتى بين النمطيين عصبياً أنفسهم. يبرز في هذه التقاليد عمل الفيلسوفة النسوية إيريس ماريون يونغ (Iris Marion Young, 1997) عن “التبادل غير المتماثل”، وعمل عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان (Erving Goffman,1963) عن الوصم والهوية الاجتماعية.
وحين نضع هذه الفكرة جانباً إلى جانب التعاطف المزدوج، نصل إلى ملاحظة بسيطة لكنها كاشفة: إذا كان لا أحد منا يستطيع فعلاً أن يدرك العالم من داخل عقل آخر تماماً، فإن اشتراط هذا الإدراك على المتنوعين عصبياً وحدهم –كشرط لاعتبارهم “أسوياء”– هو في جوهره موقف سياسي من أقليّة، وليس حقيقة علمية عن طبيعة العقل البشري.
معنى “المزدوج” في الاسم
كلمة “مزدوج” ليست تفصيلاً لغوياً بل قلب للفكرة كلها.
كان التصوّر السائد عن الأشخاص المتوحدين لعقود –مدفوعاً بنظريات مثل “عمى العقل” و”نظرية العقل” التي طُبِقت أيضاً على المتنوعين عصبياً– يفترض أن الانقطاع في التواصل يحدث لأن المتنوع عصبياً ببساطة غير قادر على فهم الآخر النمطي عصبياً. أي أن المشكلة عجز فردي، يسير في اتجاه واحد، ويستقر داخل معيار واحد للعقل البشري.
ومن هذا التصوّر تشكلت البيئة المعرفية واللغوية كعائق وحاجز معرفي غير مرئي تعايش معه المتنوعون عصبياً لعقود عديدة، استخدم فيها الأطباء والأخصائيون ومقدمو الرعاية والأسرة والمدرسة والمجتمع لغةً ومفاهيم تتعامل مع الاختلاف في التوصيلات العصبية بوصفه خللاً وعجزاً، فأنتجت صورة مشوهة استقرّت في وعي النمطي عصبياً عن المتنوع عصبياً، وفي وعي المتنوع عصبياً عن نفسه.
ومن هنا جاء طرح ميلتون لمشكلة التعاطف المزدوج ليقلب اتجاه السؤال كله. فبدلاً من أن نسأل: “لماذا لا يفهم المتوحد الأشخاص الآخرين؟”، يدعونا أن نسأل سؤالاً مختلفاً تماماً: لماذا نفترض أصلاً أن الخلل وانقطاع التواصل يقع عند طرف واحد فقط؟ ماذا لو كان النمطي عصبياً يعجز بالقدر نفسه عن قراءة المتنوع عصبياً! هل لأن المتنوعين عصبياً يشكلون أقليّة، اعتُبَر عجز الأغلبية في قراءة لغة الآخر وفهم منظوره المعرفي “طبيعياً” بينما اعتُبر عند الأقليّة “اضطراباً” يستدعي التدخل؟
ومن هنا يمكننا ملاحظة الازدواجية التي يحملها الاسم في طياته: فكلا الطرفين يتحرك بأُطُر إدراكية مختلفة، وكلاهما يفشل معاً في قراءة الآخر تلقائياً، ولكل منهما الحق في عالمه الإدراكي الخاص. لكن أحدهما هو الذي يحمل عبء فشل التواصل، ويُطلب منه أن يُعدّل من سلوكه باستمرار، ويُعامَل كأن الخلل يكمن في جهازه العصبي.
الأدلة العلمية: ماذا تقول الأبحاث؟
منذ أن تم طرح المفهوم في عام 2012، تراكمت عليه أدلة تجريبية كثيرة، نستعرض هنا أبرزها:
- دراسة كرومبتون وزملائها (Crompton et al., 2020) اختبرت كيف تنتقل المعلومات في سلاسل من ثمانية أشخاص مشاركين في تجربة شبيهة بلعبة “الهاتف المقطوع”. وجد الباحثون أن المعلومات تنتقل بكفاءة عالية حين تكون سلسلة المشاركين كلها من المتوحدين، وكذلك حين تكون كلها من النمطيين عصبياً، لكنها تتعطل بشكل ملحوظ في السلاسل المختلطة من المشاركين التي تجمع أفراد ذوي أنماطٍ عصبية مختلفة. أي أن المشكلة ليست في طريقة تواصل المتوحدين بحد ذاتها، بل تظهر تحديداً عند نقطة اللقاء بين النمطين.
- هيزمان وغيليسبي (Heasman & Gillespie, 2018) درسا كيف يفهم المتوحدون أنفسهم وعائلاتهم، مقابل كيفية فهم العائلات لهم. كان المتوحدون أكثر دقة في تقدير سوء الفهم بينهم وبين ذويهم، بينما أرجعت العائلات هذا الانقطاع المعرفي إلى “عجز” الشخص المتوحد وحده. أي أن المتنوع عصبياً في هذه التجربة لم يكن عاجزاً عن إدراك الآخر، بل كان أحياناً أكثر إدراكاً للفجوة بينه وبين النمطيين عصبياً من الأشخاص النمطيين أنفسهم.
- وفي تجربة لاحقة، استخدم الباحثان نفسهما سيناريو لعبة فيديو أوهما فيه المشاركين النمطيين عصبياً بأنهم يتفاعلون مع لاعب آخر. حين قيل لهم إنّ هذا اللاعب متوحد أو لديه عسر قراءة، اعتبروه أقل نفعاً ومساعدة، رغم أن سلوكه لم يتغير فعلياً. أي أن التحيّز كان في عين الناظر، وليس في تصرّف المتنوع عصبياً نفسه.
- ساسون وزملاؤه (Sasson et al., 2017) أظهروا أن النمطيين عصبياً يكوّنون أحكاماً سلبية عن المتوحدين خلال ثوانٍ من اللقاء، فتنخفض رغبتهم في التفاعل قبل أن يبدأ الحوار من الأساس.
- مراجعات منهجية حديثة (Watts et al., 2025) أكدت أن المتوحدين يصفون لقاءاتهم بمتوحدين آخرين بشعور تفاهم وتقبل وراحة لا يجدونه في لقاءاتهم بغير المتوحدين.
- وفي أبحاث أحدث (Foster et al., 2025؛ Efthimiou et al., 2025) تأكّدَ أن جودة التواصل والمزامنة الحركية بين المشاركين تتحسّن في اللقاءات التي تجمع أشخاصاً من النمط العصبي نفسه، وتتراجع في اللقاءات المختلطة، مما يدعم تجريبياً المبدأ المركزي لمشكلة التعاطف المزدوج.
ما تقوله هذه الأبحاث مجتمعة هو أن انقطاع التواصل ظاهرة علاقاتية تحدث بوصفها نتاجاً للعلاقة بين الأشخاص، وليست عجزاً فردياً، بل هي حالة تنشأ حين لا تتوافق أدوات التواصل بين طرفين في سياق معيّن.
لماذا نحتاج إلى هذه التسمية؟
قد يبدو السؤال نظرياً في الوهلة الأولى، لكنه ليس كذلك. فأن نُسمّي ظاهرة ما يعني أن نعيد توزيع المسؤولية بين أطرافها. وأن نغيّر منظور الناس في أحكامهم اليومية.
قبل أن يدخل مفهوم التعاطف المزدوج إلى الحوار، كان الشخص المتنوع عصبياً –متوحداً كان، أو ذا اختلافات في النشاط والانتباه، أو ذا اختلافات في التعلم– حين يعود من تفاعل اجتماعي مرتبكاً ومستنزفاً، يسمع المحيطَ من حوله يصفه بالجملة ذاتها (هذا الشخص لا يجيد التواصل، وعليه أن يتعلّم).
وكانت العلاجات والتدخلات والمدارس مبنية كلها على فرضية واحدة لم يكن يُشكَّك بها: أن المشكلة في الشخص، وأن الحل هو أن يعدّل سلوكه باستمرار ليشبه الآخرين أكثر فأكثر.
وهنا توجد نقطة كثيراً ما تُهمَل في النقاش. فما تطلبه المجتمعات من المتنوع عصبياً ليس مجرد “تغيير” طفيف، ولا اكتساب مهارة جديدة، بل إعادة برمجة مستمرة لطريقة كلامه، ولحركة جسده، ولنبرة صوته، ولاتجاه نظره، ولإيقاع تفكيره ذاته. هو تعديل سلوك متواصل، يحدث في كل تفاعل تقريباً، طوال اليوم، مدى الحياة.
هذا الفرق بين كلمة “تغيير” التي توحي بطلب بريء وبين مصطلح “تعديل السلوك” الذي يوحي بفرض ثقيل هو الفرق بين كيف يبدو الطلب من الخارج وكيف تُعاش تجربته من الداخل.
من هنا تأتي قيمة تسمية الظاهرة “مزدوجة”، إذ غيرت السؤال الذي يُطرَح من الأساس. فبدلاً من أن نسأل “كيف نعدّل سلوك هذا الشخص ليشبه الأكثرية؟”، صرنا نسأل “كيف نبني جسوراً بين عالمين مختلفين، يحق لكل منهما أن يبقى كما هو؟”. وهذا فرق جوهري، لأنه ينقل اتجاه التدخّل: من تعديل الفرد لينسجم مع البيئة، إلى تعديل البيئة لتتسع تنوعاً بشرياً كان موجوداً فيها منذ البداية.
الأثر الاجتماعي: ما الذي يحدث حينما يسود نمط عصبي واحد؟
هنا تنتقل الفكرة من الإطار النظري، إلى الواقع المُعاش، إلى الحياة اليومية لكل شخص متنوع عصبياً يقرأ هذا الكلام ويعرف عمّا نتحدث.
حين يُقدّم نمط النمطيين عصبياً في التواصل والتعاطف والشعور والتعبير عن الذات بوصفه النمط “الطبيعي” والمعيار العصبي الوحيد – أي بوصفه ما “ينبغي” أن يتصرّف الناس على أساسه– تبدأ سلسلة من النتائج بالتوالي واحدة تلو الأخرى:
- يبدأ التصنيف: يُصنَّف من يخرج عن هذا المعيار بوصفه “ناقصاً” أو “مضطرباً”، حتى حين يفهم نفسه ومحيطه بطريقة متماسكة تماماً من داخله. فالطفل ذو اختلافات النشاط والانتباه يسمع أنه “كسول وقليل تركيز”، والطفل ذو اختلافات التعلّم يسمع أنه “غبي ومُهمِل”، والطفل المتوحد يسمع أنه “بارد وغريب الأطوار”. أحكام لا تعبّر عن هويته، بل تعكس مسافة بينه وبين ما يُتوقع منه أن يكونه.
- يتحول التصنيف إلى وصم اجتماعي. تنتقل العبارة من عيادة الأخصائي إلى الفضاء الاجتماعي لتصبح وصمة تلتصق بالفرد أينما ذهب: لا يجيد التواصل، بارد، عديم التعاطف، غريب، صعب، فاشل. ولا يحتاج الأمر إلى تشخيص رسمي كي تُلصَق به وصمة، فيكفي أن يكون الشخص مختلفاً.
- يبدأ ضغط أساليب تعديل السلوك. يُمارَس على الشخص ضغط دائم ومتعدد المصادر –من الأهل، ومن المدرسة، ومن العمل، ومن مقدمي الرعاية الصحيّة– ليعدّل سلوكه باتجاه المعيار السائد، ليس كاقتراح بل كشرط للقبول والإدماج. والمطلوب منه ليس أن يُغيّر عادة واحدة، بل أن يعيد ضبط نفسه كلها: طريقة مشيه وجلوسه، وحركة يديه، وحدّة صوته، واتجاه نظرته، وحتى ما يُسمح له أن يحبه ويهتم به. هذا هو الفرق الذي يجب أن نلاحظه: المسألة ليست “تغييراً”، بل تعديل سلوك مستمر يطال جوهر الشخص وفرادة هويته العصبية.
- يلجأ الشخص إلى سلوك التخفّي والتمويه العصبي. يبدأ في إخفاء سماته العصبية الأصيلة، ويؤدي طوال الوقت دور شخص نمطي عصبياً لكي يتم قبوله في محيطه: فالشخص المتوحد يفرض على نفسه التواصل البصري المباشر، ويكبت سلوك التحفيز الذاتي المهدئ لجهازهِ العصبي، والشخص ذو اختلافات النشاط والانتباه يستنزف نفسه ليبدو “هادئاً ومنتظماً”، والشخص ذو اختلافات التعلّم يطوّر استراتيجيات إخفاء معقدة كي لا يُكتَشَف اختلافه ويُحرَم من فرصة أو علاقة. هذا الأداء المستمر ليس خياراً حرّاً، بل ثمن يُدفَع مُقابل البقاء في مساحات لم تُصمَّم أصلاً لتتسع له.
- تظهر العواقب النفسية. فقد رصدت الأبحاث على مدار سنوات أن التمويه العصبي طويل الأمد يرتبط ارتباطاً مباشراً بحالة من الإرهاق المزمن تُعرَف بـ”الإنهاك التوحدي”، وبارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق، وزيادة معدلات الميول الانتحارية بين البالغين المتنوعين عصبياً (Hull et al., 2017؛ Cage & Troxell-Whitman, 2019؛ Cassidy et al., 2018).
ومن المهم أن ندرك أن هذه ليست سمات للتنوع العصبي ولا أعراضاً مرافقة له، بل هي تحديات تنشأ من بيئته، وتعمل كحاجز غير مرئي يعيق مشاركة المتنوعين عصبياً مشاركة كاملة، فتصبح ثمناً يدفعونه يومياً مقابل إدماجهم في بيئات لم تصمم لتستوعب اختلافهم منذ البداية.
ما الذي نتعلمه؟
الدرس ليس فقط أن “المتنوعين عصبياً يفهمون بعضهم”، رغم أن ذلك صحيح وفيه جمال وراحة لا يجدها المتنوع عصبياً في كثير من علاقاته مع النمطيين عصبياً. الدرس أعمق من ذلك بكثير.
لكي نبدأ رحلة حقيقية في فهم التنوع العصبي –التوحد واختلافات النشاط والانتباه، واختلافات التعلّم، وغيرها– علينا أولاً أن نعترف أن للبشر أنماطاً متعددة في الشعور والتعاطف والتواصل والتعبير عن الذات، وأن هذه الأنماط جميعها مشروعة، وتستحق أن تعامل على أنها أنماط إنسانية أصيلة لها منطقها الداخلي الخاص، وليست انحرافات عن قاعدة واحدة وضعتها الأكثرية كمعيار ثابت.
وهذا لا يعني إلغاء الفروق بين الناس، أو التظاهر بأنها لا تسبب أحياناً سوء فهم حقيقياً. فالفروق قائمة، وانقطاع التواصل وصعوبته عند التقاء أشخاص لديهم توصيلات عصبية مختلفة يحدث، وله تكلفة عاطفية على الطرفين معاً. لكن القفزة الحقوقية والعلمية التي يدعونا إليها مفهوم التعاطف المزدوج هي أن نتوقف عن تحميل هذه التكلفة لطرف واحد فقط، وأن ندرك أن بناء الفهم بين الناس مسؤولية مشتركة بين كل من يدخل في الحوار، لا واجباً يُفرَض على من يعتبره المجتمع “مختلفاً”.
ويجدر بنا أن ننتبه أيضاً إلى أن ملاحظات هذه الفجوة لا تقف عند أبواب المدارس وأماكن العمل والمؤسسات والمنظومة الطبيّة وحدها، بل تتسرب إلى العلاقات العاطفية، والصداقات، والروابط الأسرية، وإلى كل مساحة يلتقي فيها شخصان مختلفان عصبياً ويحاولان أن يفهما بعضهما. وقد بدأت الأبحاث الحديثة (Ridout & Hayward, 2019؛ Ghanbari Panah & Mustaffa, 2026) ترصد كيف أن كثيراً مما يُقرَأ في هذه العلاقات بوصفه “برودة” أو “تجنباً عاطفياً” أو “لامبالاة” هو في حقيقته فجوة إدراكية بين نمطين عصبيين، يمكن ردمها بالفهم بدلاً من العتاب، وبتعديل توقعات الطرفين معاً بدلاً من مطالبة أحدهما بتعديل سلوكه وحده، وأن نرى مشكلة التعاطف المزدوج في هذه المساحات تحديداً، يعني أن نمنح الناس –متنوعين عصبياً ونمطيين عصبياً معاً– أدوات تواصل أكثر شمولاً وتبادلاً، تتيح لكل منهما أن يَفهَم ويُفهَم وفق شروطه، فلا تتحول خيبات سوء الفهم في علاقاتهم إلى فشل شخصي يحمله أحدهما وحده.
ولعل أهم ما يمكن أن نخرج به من هذا كله هو أن التغيير الحقيقي يبدأ من اللحظة التي ندرك فيها أن هذه الفجوة موجودة، وأن مسؤولية تجسيرها مشتركة بين النمطيين عصبياً والمتنوعين عصبياً معاً.
فالنمطي عصبياً مدعو إلى أن يدرك أنّ ما اعتاد اعتباره “بديهي” في أساليب التواصل والتعاطف ليس قانوناً عاماً للإنسانية، بل نمط من بين أنماط عديدة أخرى، وأن انقطاع التواصل بينه وبين شخص متنوع عصبياً ليس عجزاً عند الطرف الآخر، بل فجوة معرفية وإدراكية بين الاثنين.
والمتنوع عصبياً مدعو بدوره إلى أن يستعيد فهمه لذاته من منظوره الخاص، وأن يدرك أن ما تشكّل في وعيه على مدى حياته بوصفه “خللاً في توصيلاته العصبية” هو في الحقيقة نصف معادلة، نصفها الآخر كان دائماً عند الطرف النمطي عصبياً الذي لم يحمل يوماً عبء العجز عن التواصل، ولم يُنظَر إليه بوصفه شريكاً في الفجوة الإدراكية والمعرفية بينهما.
ولعل ما يجب أن نقوله بوضوح في الختام هو أن التنوّع العصبي ليس حالة تستدعي “التسامح” أو “الرعاية”، ولا ظاهرة فردية يُكتَفَى بقبولها بوصفها استثناء يجب التعامل معه. هو شرط بشري أصيل، قائم منذ كان البشر بشراً، يستحق أن نتجاوز فيه خطاب القبول السلبي إلى خطاب أعمق يقوم على التمكين، وعلى إعادة تشكيل البيئات المعرفية واللغوية والاجتماعية والمؤسسية بحيث تستوعب الاختلاف العصبي بوصفه جزءاً طبيعياً من التنوع البشري لا انحرافاً عنه.
ومشكلة التعاطف المزدوج هي المدخل الأول إلى هذا الفهم؛ فحين ندرك أن انقطاع التواصل بين نمطين عصبيين مختلفين هو مسؤولية مشتركة بينهما، نبدأ في بناء بيئات لا تشترط على المتنوع عصبياً إخفاء سمات هويته العصبية أو تعديل سلوكه ليثبت أهليته للقبول، بل تعاد هندستها لتتسع لاختلافه، فتضمن له المشاركة الكاملة في الحياة، شأنه شأن أي إنسان آخر.
——————
من المتنوعين عصبياً إلى المتنوعين عصبياً.
مصادر

مشاركة على المنصة
إذا كنت/ي ترغب/ي بمشاركة مقال على المنصة، يرجى التواصل عبر البريد الإلكتروني:
allies@neurodiversityinarabic.comIf you would like to share an article to the platform, please contact us by email:
allies@neurodiversityinarabic.com

